
«من المستهدف في غارة برجا؟». تساؤل شغل البعض عقب المجزرة التي ارتكبتها اسرائيل في مبنى سكني، يوم الثلاثاء الماضي. ورغم استشهاد ثلاثين شخصاً، أقل من نصفهم، من الأطفال، ظل بعضهم يبحث عن «الشخصية المستهدفة» كأنه يبرر لإسرائيل استهدافها للأحياء السكنية! علماً أنّ «اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحروب»، تحمي أيضاً «الأشخاص الذين لا يشتركون في القتال بصورة مباشرة والمقاتلين الذين ألقوا أسلحتهم» في حال ادعى بعضهم بأن الغارات كانت ضد أهداف عسكرية. مشهد حدث سابقاً في الاعتداءات التي استهدفت شققاً سكنية من الصرفند والبابلية وتفاحتا وحارة صيدا (صيدا) والقماطية وكيفون (عاليه) إلى المعيصرة (كسروان) ودير بلا (البترون) وأيطو (زغرتا) والكرك (زحلة)....
في الأسبوع الماضي، كان زياد منصور يجهز الملف الطبي لزوجته آية ياسين تمهيداً لولادتها الوشيكة لطفلهما الأول علي. احتفل «أبو علي» بعيد ميلاده الثالث والثلاثين في 26 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وانتظر ولادة بكره في الحرب بعدما كان قد تزوج في بداية الحرب قبل نحو عام. قبل زواجه، بحث منصور عن دخل إضافي يعينه على تأسيس أسرة، إضافة إلى عمله في برمجة الحواسيب. أنشأ علامة تجارية خاصة به لصناعة المربيات. لم يتوقف عمله مع تصاعد العدوان الإسرائيلي، لكنه فضّل النزوح من بلدته أنصار (قضاء النبطية) حرصاً على سلامة زوجته ووالدته سهيلة هاشم وخالتيه. استأجر بداية شقة في جدرا (ساحل الشوف) قبل أن يعثر لاحقاً على شقة في برجا (إقليم الخروب) المجاورة ضمن مبنى سكني يعجّ بالنازحين من الجنوب. ضاقت الشقة على ساكنيها بعد استضافة أقرباء له، فاضطر إلى استئجار شقة أخرى في بعاصير المجاورة حيث استقر مع زوجته. مساء الثلاثاء، زار والدته في برجا لتوصيل حاجيات لها، فوجدها تنتظر وصول الصهريج لشراء المياه. وبينما كانا يملآن الخزان، أغار العدو الإسرائيلي على المبنى. وحتى ساعات الفجر الأولى، تمكن المسعفون من إيجاد جثمانَي منصور ووالدته، فيما أصيبت الخالتان. بالتزامن، رفع المسعفون الطفل نوح فريج (3 سنوات) حياً من بين ركام شقة والديه عبد القادر ورانيا ياسين. لم تكتمل فرحة الوالدين المصابين بنجاة طفلهما بعد استشهاد طفلتهما ليان (5 سنوات)، إذ قضى سريعاً متأثراً بإصابته.
المبنى المستهدف في برجا مؤلف من ثماني شقق. إحداها كانت تؤوي 20 شخصاً من آل بسما، النازحين من عين بعال وأقربائهم من آل فقيه النازحين من طير دبا ومن آل حجيج النازحين من دير عامص (قضاء صور). في الثالث والعشرين من أيلول (سبتمبر) الماضي، نزح الأشقاء أمين وعلي وبسام وشقيقتهم وفاء مع عوائلهم، من ضمنهم 13 طفلاً. تحمّلوا الزحام في الشقة الصغيرة لعدم قدرتهم على استئجار شقق إضافية. أمين وعلي وبسام بسما يعملون في التمريض، فيما تعطلت أشغال جميلة حجيج زوجة علي بسما التي تعمل في صناعة الحلويات وشقيقها محمد. عند وقوع الغارة، كان يتواجد معظم سكانها. بحسب التحقيقات، قيل إن الصاروخين سقطا في الشقة الواقعة في الطبقة السفلية، فظنّ بعضهم بأن الشقة تضم «هدفاً» تمكنت منه إسرائيل. لكن سريعاً نعى جهاز الدفاع المدني في كشافة الرسالة الإسلامية الأشقاء الأربعة. كما نعى الكشاف عدداً من الأطفال والفتيان.

